أخبار دوليةرياضات أخرى

من عداء إلى أسير.. قصة عداء إيطالي اعتقل بالجزائر بتهمة التجسس للمغرب

يحتفل مهرجان ماتيرا للأفلام الرياضية في نسخة هذا العام بالعداء الإيطالي، ماورو بوسبيري، الذي اعتقل في الجزائر سنة 1994 ظنا منهم أنه جاسوس مغربي.

وسيكون المهرجان فرصة للتعرف من جديد على قصة عداء في ماراطون الرمال، يتحول إلى أسير، بسبب تهمة باطلة، وهي القصة التي لازالت تروى وتنشر إلى حد الآن في كبرى المؤسسلات الإعلامية.

ماورو بوسبيري العداء الصامد

نقلت يومية إلموندو ديبورتيفو القصة كاملة لهذا الوثائقي الذي يعرض حاليا في إيطاليا، وبطله العداء الإيطالي ماورو بوسبيري.

وبدأت حكاية الرجل في عام 1994 حنما قرر المشاركة في ماراطون الرمال، بالمغرب، أملا في تحقيق رقم مهم ينسيه مآسي عدم المشاركة في أولمبياد موسكو 1980 والمشاركة كاحتياطي في أولمبياد لوس أنجلس عام 1984.

المهمة الصعبة

لم يخبر ماورو زوجته بأي شيء، وسافر سرا إلى المغرب تاركا زوجته وأبنائه، من أجل هدف وحيد الفوز بنسخة 1994 من ماراطون الرمال متنافسا مع 134 مشارك.

لم تكن المهمة سهلة، لذا نجح ماورو في إيجاد رفيق وزميل، وهو مواطنه الإيطالي حيوفاني مانزو، الذي كان همه الاستمتاع بما تزخر به الطبيعة المغربية من جمال.

المراحل الوعرة.. الضياع

تبين بعد مرور 4 مراحل أن المهمة ليست بالسهلة، فالحرارة جد مرتفعة وتصل في بعض الأوقات إلى 45 درجة، زد على ذلك التضاريس الصخرية والكثبان الرملية في مسافة قد تصل إلى حد أقصاه 80 كلمتر.

عرفت المرحلة الرابعة بالصعبة، حيث هبت عاصفة رملية مصحوبة بدرجة حرارة مرتفعة، صعبت الرؤية على المشاركين لست ساعات، وصل الجميع بما فيهم صديق ماورو، جيوفاني، حينها تبين أن ماورو قد أظل الطريق.

ظل ماورو يسير وحيدا، لا ماء ولا أي شيء، يسير إلى ما لانهاية، نعم تيقن ماورو أنه ضائع وسط كثبان رملية، جرب كل شيء لعله يصل إلى المكان الموعود، لم تسعفه حتى شعلته النارية الصغيرة في إعلام أطقم النجاة المحلقين فوق رأسه عبر الطائرة المروحية.

ظل يسير ماشيا، بدون أكل ولا ماء، حتى وجد مسكنا مهجورا، بل بالأحرى مأوى للخفافيش، أكل بيضها بل حتى هي لم تسلم من جوعه، ليلتهم الموجود حتى يسد رمقه، تحول لحمها إلى أكل ودمها إلى ماء صالح للشرب.

في تلك البناية المهجورة، وضع ماورو العلم الإيطالي فوق سطحه، لعل وعسى تلمحها أطقم النجاة المحلقين فوق السماء.

الانتحار

وصل مارطون الرمال إلى نهايته وبلغ الجميع خبر اختفاء ماورو ، قرر أخوه برفقة عدد من الأصدقاء التنقل إلى المغرب للبحث عن ماورو التائه.

في الوقت ذاته، كان ماورو يجرب كل شيء، فمع سماء أي صوت فوق السماء، يركض العداء الإيطالي مسرعا لحفر حفرة ووضع ملابسه وإشعال النار، لعل وعسى ترى المروحيات دخان النار، ثم يكتب في الرمل..ساعودني..لكن دون جدوى فالصحراء لا تعترف لا بالكتابة الرملية ولا بدخان الملابس، لأن قوتها أقوى من أي نار وكتابة.

تسلل اليأس إلى ماورو، ففكر في الانتحار ليكتب بقطعة فحم رسالة وزاع إلى زوجته يعتذر فيها عما بدر منه، معترفا بكونه زوج وأب سيء. مخرجا سكينه كي يقطع شرايين معصمه الأيمن، لكن دون جدوى لأن جسده جاف بدون دم.

عدم الاستسلام

تبين لماورو بعد فشل عملية الانتحار، أنه يجب أن يشمر على ذراعية ويواصل المسيرة، كان أكله عبارة عن أفاعي وفئران تطبخ في نار هادئة ممزوجة ببوله، فلا ماء ولا لحم ولا خضراوات في صحراء قاحلة.
سيجد أخيرا واحة سيندفع إليها بسرعة، لكي يشرب ما تيسر، لكن معدته الضعيفة لم تقبل كل ذلك الماء، فكلما شرب كثيرا إلا وكان الألم صعبا، ليقرر أن يرتشف لعلها تسمن وتغني معدته المريضة.

في اليوم التالي، سيصل ماورو إلى نقطة حية، نعم ماعز وآدميون وواحات، نعم وصل إلى بر الأمان، ما من لمحته طفلة صغيرة راعية غنم، حتى أسرعت لتخبر سكان القرية، لم يكونوا إلا طوارق، رحبوا بالضيف الجديد، الذي يتكلم لغة لا يفهممها ويجيدها إلا ماورو. فما كان منهم بعد كرم الضيافة، إلا تسليمه لمركز الشرطة للبحث في ملفه ومطلبه.

شرطة.. وتهمة جاسوس

اقتيد ماورو معصوب الأعين، اعتقد حينها أن الرصاص سيطلق عليه، ليودع هذا العالم، دون رأفة بعداء قطع المئات من الكيلومترات في صحراء قاحلة بدون ماء ولا أكل.

قيل له ماذا تفعل هنا؟ لم يصدقو روايته بكونه عداء، متهمين إياه بالجاسوس المتجسس لصالح المغرب. سننقلك إلى قاعدة جزائرية لمواصلة التحقيق معك، كان هذا هو الجواب السائد والطاغي في حديث المحققين مع ماورو.

نقل ماورو على وجه السرعة إلى قاعدة جزائرية، ظنا منهم امتلاكهم لصيد ثمين، استمرت التحقيقات وظل ماورو يردد أنه عداء أضاع الطريق.

في مرحلة ما أثناء التحقيقات، لم يكن يعلم ماورو أن أخبار المحققين بكونه ضابط شرطة في قسم الخيالة بالعاصمة الإيطالية روما، ستقوده إلى بر النجاة.

نعم حينها سيسأله الضابط الجزائري، عما إذا كان هو ماورو بروسبيري، استغرب سماع اسمه، ليعيد الضابط على مسامعه من جديد، مرحباً بك في الجزائر. لقد تلقينا بلاغاً عنك من السلطات المغربية، سنوصلك إلى المستشفى على الفور.

الفرج

حل الفرج على ماورو، بعد تسعة أيام في الصحراء، فقد كل شيء، بل عانى من مشاكل صحية حادة، لكن لم يفقد الأمل، ذلك الأمل الذي سيقوده إلى إيطاليا ليستقبل استقبال الكبار.
رحب بماورو كبطل، لكن في ضفة أخرى شككوا في روايته، متهمين إياه بتزوير الحقائق، أملا في الحصول على المال من محنته. لم يكن أمام ماورو إلا حل واحد، وهو إنجاز فيلم وثائقي يكشف فيه الحقائق ويرد فيه على المشككين.

بالفعل في عام 1995 ، صنع ماورو فيلمًا وثائقيًا عن إنجازه قال كل شيء، بل حدد حتى موقع الهياكل العظمية للخفافيش المدفونة في الرمال بجوار المرابط.

نجا ماورو ليروي الحكاية، لكن عاد من جديد إلى صحراء المغرب ليجرب حظه ثمانية مرات أخرى، كمشارك في ماراطون الرمال.


زر الذهاب إلى الأعلى